عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي

637

مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي

الشارع : هو العِلْم بالته المؤدي إِلَى حُبّه ومحبته ، وإجلاله وتعظيمه ، وهما مع العِلْم بما يحتاج إِلَيْهِ من أوامره ونواهيه ، كما كان عليه علماء أهل اليمن قديمًا ، مثل : أبي موسى الأشعري ، وأبي مُسلم الخولاني وأويس وغيرهم . دون ما زاد عَلَى ذلك ، من ضرب أقوال الناس بعضها ببعض ، وكثرة التفتيش عن عوراتهم وزلاتهم . وهو أنَّ أكثر الأئمة غلطوا في مسائل يسيرة ، مما لا تقدح في إمامتهم وعلمهم ، فكان ماذا ؟ ! فلقد انغمر ذاك في محاسنهم وكثرة صوابهم ، وحُسن مقاصدهم ونصرهم للدين . والانتصابُ للتنقيب عن زلاَّتهم ليس محمودًا ولا مشكورًا ، لا سيما في فضول المسائل التي لا يضر فيها الخطأ ، ولا ينفع فيها كشفُ خطئهم وبيانُه . وكذلك كثرة البحث عن فضول علوم لا تنفع في الدين وتشغل عن الله والاشتغال به ، وتقسِّي القلب عن ذكره ، وتوجب لأهلها حبَّ العلو والرئاسة عَلَى الخلق . فكل هذا غيرُ محمود ، وقد كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يتعوَّذُ من علم لا ينفع ( 1 ) ، وفي حديث عنه أنَّه قال : « سَلُوا اللَّهَ عِلْمًا نَافِعًا ، وَتَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ » ( 2 ) . وفي حديث عنه : " إِنَّ من العِلْم جهلاً " ( 3 ) . وكان - صلى الله عليه وسلم - يكره إطالة القول وكثرة تشقيق الكلام ، ويُحب التجوز في القول ؛ وفي ذلك عنه أحاديثُ كثيرة يطول ذكرها . وكذلك التصدّي لرد كلام أهل البدع بجنس كلامهم ، من الأقيسة الكلامية وأدلة العقول : يكرهه الإمامُ أحمد ، وأئمة أهل الحديث كيحيى القطان ، وابن مهدي ، وغيرهم . وإنَّما يرون الردَّ عليهم بنصوص الكتاب والسنّة ، وكلام سلف الأمة إِن كان موجودًا ، وإلا رأوا السكوت أسلم .

--> ( 1 ) أخرجه مسلم ( 2722 ) من حديث زيد . ( 2 ) أخرجه ابن ماجة ( 3843 ) . ( 3 ) أخرجه أبو داود في " السنن " رقم ( 5012 ) .